علي الأحمدي الميانجي
183
مكاتيب الأئمة ( ع )
انظُر هَل ابتلُوا بمِثلِ ما ابتُليتَ ، أَم هَل وقَعوا في مِثلِ ما وَقَعتَ فيهِ ، أم هَل تَراهُم ذَكَرتَ خَيراً أهمَلوهُ « 1 » ، وعَلِمتَ شيئاً جَهِلوهُ ، بَل حَظِيتَ بِما حَلَّ من حالِكَ في صُدورِ العامَّةِ وكَلَفِهِم بِكَ ، إذ صاروا يقتَدونَ بِرأيِكَ ، وَيعمَلونَ بِأمرِكَ ، إن أحلَلتَ أحلُّوا ، وإن حَرَّمتَ حَرَّموا ، وَلَيسَ ذلِكَ عِندَكَ ، وَلكِن أظهرَهم عَلَيكَ رَغبَتُهُم فيما لَدَيكَ ، ذَهابُ عُلمائِهِم ، وغَلَبةُ الجَهلِ عَلَيكَ وعَلَيهِم ، وحُبُّ الرِّئاسَةِ ، وطَلَبُ الدُّنيا مِنكَ ومِنهُم . أما ترى ما أنتَ فيهِ مِنَ الجَهلِ والغِرَّةِ ، وما النَّاسُ فيهِ مِنَ البلاءِ والفِتنَةِ ، قد ابتلَيتَهُم وفَتنتَهُم بالشُّغلِ عَن مَكاسِبِهم مِمَّا رَأَوا ، فتاقَت نُفوسُهُم إلى أنْ يبلَغوا مِنَ العِلمِ ما بلَغْتَ ، أو يُدركوا بِهِ مِثلَ الذي أدرَكتَ ، فوقَعوا مِنكَ في بَحرٍ لا يُدرَكُ عُمقُهُ ، وفي بلاءٍ لا يُقدَّرُ قَدرُهُ ، فاللَّهُ لنا ولَكَ وَهُو المُستعانُ . في الحثِّ على ترك ما هو فيه وتوبيخه على رغبته في الدّنيا : أمَّا بَعدُ ؛ فَأعرِض عَن كُلِّ ما أنتَ فيهِ حَتَّى تَلحَقُ بالصَّالِحينَ ، الَّذين دُفِنوا في أسمالِهم « 2 » ، لاصِقة بُطونُهم بِظُهورِهِم ، ليسَ بَينَهم وبينَ اللَّهِ حِجابٌ ، ولا تَفْتِنُهُم الدُّنيا ، ولا يُفتَنون بِها ، رَغَبوا فطَلَبوا فَما لَبِثوا أنْ لَحِقوا ، فإذا كانت الدُّنيا تَبلُغُ مِن مِثلِكَ هذا المبلَغِ معَ كِبَرِ سِنِّكَ ، وَرُسوخِ علمِكَ ، وَحُضور أجلِكَ ، فَكَيفَ يَسْلَم الحدَثُ في سِنِّهِ ، الجاهِلُ في علمِهِ ، المأفُونُ في رأيهِ « 3 » ، المدخولُ في عَقلِهِ ؛ إنَّا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ ، على مَنِ المُعَوَّلُ « 4 » ؟ وعِندَ مَنِ المُستَعتَبُ ؟ نَشكو إلى اللَّهِ بَثَّنا
--> ( 1 ) . في بعض النسخ : « أم هل ترى ذكرت خيراً علموه وعملت شيئاً جهلوه » ، وفى بعضها « أم هل تراه ذكراً خيراً عملوه ، وعملت شيئاً جهلوه » . ( 2 ) . الأسمال - جمع سمل بالتحريك - : الثوب الخلق البالي . ( 3 ) . المأفون : الّذي ضعف رأيه ، والمدخول في عقله : الّذي دخل في عقله الفساد . ( 4 ) . المعوّل : المعتمد والمستغاث ، واستعتبه : استرضاه ، والبث : الحال ، الشتات ، أشدّ الحزن .